بيت الطاعة/الجزء الثالث
بقلم : مريم التيجي
..وقفت أمام بيت أبيها تجر أطفالها وتحمل همها الثقيل، ما كادت تطرقه حتى أطل أخوها من النافدة:"..ثاني؟.."
كانت هذه أول تحية تستقبلها، لم تجب، التفتت إلى أطفالها، نظرت إليهم، ثم أغمضت عينيها للحظات قبل أن تخرجها حركة فتح الباب من الداخل من شرودها، كانت تعرف أن ما ينتظرها هنا ليس أقل سوءا مما خلفته وراءها ، لذلك صبرت كل هذه السنين، وانتظرت أن تغير بركات الأولياء أو أبخرة السحرة شيئا من طباع زوجها فلا تضطر لمغادرة بيتها..
بعد خطوتين، وجدت نفسها وجها لوجه أمام أمها..حيتها ببرود، تفحصت جرحها الغائر، لامست بأصابع يدها الدماء الجافة على خدها الأيسر، اشتعلت نيران الغضب في عينيها، نظرت بحنق الى الأطفال..رددت وهي تضغط على أسنانها :"علاش جايبة معاك ولادو؟.." (لماذا أتيت بأولاده؟)
شعر الأطفال بالرعب، غرسوا أصابعهم الصغيرة في في جسم أمهم، أخفى أكبرهم وجهه في ظهرها النحيل، بدأ يبكي..التفتت إليه، عانقته وقبلت أخاه "ما تخافوش.. ما تخافوش.."
صرخ أخوها في وجهها:"زعما هذاك الجنس كيخاف؟ ..واش هو خالي دار بوك، وانت هازا ليه براهشو؟ داك الشي اللي بغا..تهنا.." (وهل يخاف هذا الجنس البشري؟..لا أفهم كيف يضربك ومع ذلك تحملين أطفاله معك..هذا ما كان يبحث عنه..ارتاح..)
حاولت أمها أن تخفف من حدة الموقف، أشارت إليه أن يسكت، عانقتها للحظات، تركتها تبكي بين أحضانها، تصفحت جروحها بأسف، لم تكن في حاجة لتسمع منها نفس الحكاية التي كانت تحكيها كلما جاءت الى بيت أبيها محملة بجراحها..
فتحت خزانة الملابس، قبل أن تلتفت إليها " اغسلي وجهك، وبدلي ملابسك، و يفعل الله خيرا.."
همس أصغر أطفالها في أذنها "ماما في الجوع.." تذكرت أن أطفالها لم يذوقوا طعم الخبز منذ الأمس، وضعت يدها على عينيها لتخفي دمعة منفلتة، زاد إلحاح الطفل "ماما راه في الجوع.." لكزه أخوه الأكبر، وطلب منه أن يسكت..رق قلب جدتهم، وأتتهم بقطع جافة من الخبز، أمدت كل واحد منهم بقطعة وهي تردد :"راه غير على وجه امكم، بسبب عمايل أباكم خصكم تاكلو السم ماشي الخبز.."
لم يهتم الأطفال كثيرا بكلام جدتهم، التهموا قطعة الخبز بنهم، توجهت نظراتهم الى أمهم تطلب المزيد، تجاهلتهم، قبل أن تطلب منهم أن يخرجوا للعب في الخارج..
تسللوا خارج الغرفة، ما إن لمحهم خالهم حتى بادرهم "شي واحد فيكم يقيس ليا شي حاجة نقسموا.." (إذا لمس أحدكم شيئا يخصني سأقسمه).. لم ينبسوا ببنت شفة، أطلقوا أقدامهم الصغيرة للريح، في لمح البصر كانوا خارج البيت..
عادت أمها الى الغرفة، بدأت تلومها لأنها تحملت كل هذا الوقت، ولأنها أنجبت منه أطفالا، ولأنها لم تترك له أطفاله وتخرج الى الحياة لتستمتع بشبابها وجمالها، و..و..
لم تكن تلتقط من كل ذلك سوى كلمات طائرة بين الفينة والأخرى،فيما كانت تزدحم الصور في رأسها، كانت لا تكف عن التفكير في أطفالها؛ بيت أبيها لن يتسع لهم، ولا يمكن أن تجازف بالعودة الى بيتها، قد يقتلها في المرة القادمة..
لمتابعة الجزء الأول والثاني الرجاء الضغط على الرابط التالي
http://mariamtiji.maktoobblog.com/